الشيخ محمد هادي معرفة
156
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
إنّ مادّة « مسح » يتعدّى بنفسه إلى المفعول به ، ولا يحتاج في تعديته إلى إضافةحرف في مدخوله . لكن زيادة الباء في هذا الموضع من الآية كانت لنكتةٍ ، وهي أنّها لو لم تُزَد هنا لاستدعى إضافة الفعل ( مسح ) إلى متعلّقه ، استيعابَ المسح لمحلّه استدعاءً بالطبع . كما في كلّ فعل اطلق بالنسبة إلى متعلّقة . كما في « فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » استدعى استيعاب الغسل لجميع صفحة الوجه طولًا وعرضا . ومن ثمّ لو لم يقيّد الغسل في اليدين بقوله « إِلَى الْمَرافِقِ » لاستدعى استيعاب جميع اليد حتى المنكب . وعليه فلو لم تُزَد الباء ، وقيل : « وامسحوا رؤوسكم » لاستدعى مسح الرأس كلّه نظير الوجه ، حرفا بحرف . فزيدت لتكون دليلًا على كفاية مجرّد المسح الملصق بالرأس ، فلو وضع المتوضئ رأس إصبعه على رأسه وجرّها جرّا خفيفا ، فقد صدق « لصوق المسح بالرأس » . والامتثال يقتضي الإجزاء - كما في الأُصول - ولا امتثال عقيب الامتثال . هذا في الرأس . أمّا في الرجل ، فلمّا جاء ذكر الحدّ للمسح ، كان ذلك دليلًا على إرادة استيعاب ما بين الحدّين ( رؤوس أصابع القدم - الكعبان ) طولًا . ومن ثمّ فإنّه معطوف على مدخول « وَامْسَحُوا » بلا زيادة الباء ، أي محلّ المجرور ظاهريّا ، وهو النصب . نعم ليس النصب عطفا على مدخول « فَاغْسِلُوا » - كما زعمه القائل بغسل الأرجل - استنادا إلى قراءة النص في الآية ، وهو فهم مخطئ واستنباط معوجّ ، بعد ملاحظة أنّ العطف مع الفصل بالأجنبيّ مرفوض أو مرجوح في اللغة ، ولا يحمل عليه القرآن الكريم . أمّا الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام التي تمسّك بها الشيخ الطوسي قدس سره « 1 » دليلًا على ترجيح قراءة الخفض ، فالصحيح منها لا دلالة فيه على ذلك ، لأنّها وردت بلفظ « بأنّ القرآن نزل بالمسح » . « 2 » وهي تلتئم مع قراءة النص ، على ما أوضحنا بيانه . ولا دليل فيها على إرادة قراءة الخفض . ! نعم وردت رواية ضعيفة - لاحجّية في سندها بعد وجود الضعاف فيه - بأنّها
--> ( 1 ) - تهذيب الأحكام ، ج 1 ، ص 70 ؛ والخلاف ، ج 1 ، ص 91 - كتاب الطهارة - رقم 39 . ( 2 ) - وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 294 - 297 .